السبت، 19 سبتمبر 2015

تعدد الأزمات يهدد بتفكيك الاتحاد الأوروبي

هناك عبارة مبتذلة مريحة في بروكسل مفادها أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى الأزمات حتى يتقدم. لكن التشكيلة الحالية من المشاكل التي تواجه أوروبا - اللاجئون، واليورو، وخطر احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد - يبدو مرجحا أن تربك الاتحاد الأوروبي أكثر بكثير من أن تقويه.
لأول مرة منذ عقود، بعض الإنجازات والمبادئ الأساسية للاتحاد الأوروبي تتعرض للخطر. هذه تشتمل على العملة الموحدة، والحدود المفتوحة، وحرية انتقال العمالة، وفكرة أن العضوية هي للأبد.
بدلا من الارتقاء إلى مستوى هذه التحديات، الاتحاد الأوروبي يئن تحت وطأتها. أعضاؤه الـ 28 يتجادلون بمرارة ويبدو أنهم غير قادرين على صياغة استجابات فعالة لمشاكلهم المشتركة.
هذه النقاشات أيضا تجري على خلفية مثيرة للتشاؤم. أجزاء كبيرة من الاتحاد الأوروبي تبقى غارقة في شبه ركود مع معدلات بطالة مرتفعة وموارد مالية عامة غير مستدامة. مشاكل الشرق الأوسط المنهار تحتشد في أوروبا على شكل مئات الآلاف من اللاجئين. الأشخاص المهمشون سياسيا يصعدون - وأحدث دليل على ذلك هو انتخاب المرشح اليساري المتطرف المناهض للاتحاد الأوروبي ليكون زعيما لحزب العمال في بريطانيا.
مع الشعور المتصاعد بالأزمة وعدم قدرة الاتحاد الأوروبي على الرد، تميل البلدان بشكل متزايد إلى العمل الأحادي، أو حتى - في حالة بريطانيا - مغادرة الاتحاد بالكامل.
أزمة اللاجئين تهدد بالفعل الحدود المفتوحة. في الأيام القليلة الماضية، أعادت ألمانيا فرض الضوابط على الحدود مع النمسا - التي بدورها فرضت ضوابط على حدودها مع المجر، التي هي نفسها تعمل بشكل محموم لإنجاز سياج من الأسلاك الشائكة لحماية حدودها مع صربيا غير المنضوية للاتحاد الأوروبي. وتم تشديد الضوابط على الحدود الفرنسية ـ الإيطالية، في حين أن اللاجئين يخيمون بشكل بائس في كاليه، ويأملون في العبور إلى إنجلترا.
إذا تمكن الاتحاد الأوروبي بطريقة أو بأخرى من السيطرة على أزمة المهاجرين، فهذه التدابير قد لا تكون أكثر من مجرد وسائل مؤقتة. لكن إذا بقي ضغط اللاجئين المحتملين المتوجهين إلى أوروبا شديدا، عندها التدابير المؤقتة يمكن أن تشتد لتصبح ضوابط دائمة.
علامات الاستفهام بشأن الحدود المفتوحة ستعمل بسهولة على تظليل القضايا الأوسع حول الوصول إلى أنظمة الرعاية الاجتماعية وأسواق العمل. هذا لأن بلدان الاتحاد الأوروبي تدرك - في سوق موحدة خالية من الحدود - أن التغيير من جانب واحد لقواعد اللجوء من قبل ألمانيا له آثار مترتبة على سياسات الهجرة لجميع البلدان الأعضاء. بمجرد أن يحصل المهاجرون على الجنسية في إحدى بلدان الاتحاد الأوروبي، يصبح لديهم الحق في الانتقال إلى أية دولة أخرى، للعمل هناك والمطالبة بالمنافع. وإذا بدأ التشكيك في حرية انتقال الأشخاص والعمال، فإنه سيبدأ كذلك في السوق الموحدة ـ إنجاز الاتحاد الأوروبي الرئيسي.
قضية اللاجئين تغلبت، في الوقت الحالي، على اليورو. لكن مشاكل العملة الموحدة لم تختف. على العكس، قرار اليونان هذا الصيف الخضوع وقبول حزمة تقشف أخرى جعل منطقة اليورو تبدو على نحو متزايد كأنها فخ.
حتى اليونان، غير السعيدة بشكل عميق بالحياة في منطقة اليورو، لا تستطيع المجازفة بالمغادرة خوفا من إثارة أزمة مالية واقتصادية. البلدان الدائنة، مثل ألمانيا وهولندا، ليست أكثر سعادة بكثير، لأنها تخشى أن يتم جرها إلى نظام من التحويلات المالية الدائمة إلى دول جنوبي أوروبا. في الوقت نفسه، الجهود لجعل اليورو يعمل بشكل أفضل، من خلال المضي قدما باتحاد مصرفي، عالقة في بروكسل. هذا لا يبدو كأنه وضع قابل للاستدامة وخطر تفكك اليورو سيعود بالتأكيد.
أزمتا اللاجئين واليورو تعتمدان على ما إذا كانت بريطانيا ستصوت للبقاء في الاتحاد الأوروبي، عندما تجري الاستفتاء في عام 2016 أو عام 2017. حتى وقت قريب، كانت استطلاعات الرأي تبدو واعدة بالنسبة للمجموعة المؤيدة للاتحاد الأوروبي. لكن أزمة المهاجرين تصب مباشرة في القضية الأقوى التي نشرها أولئك الذين يكافحون لخروج بريطانيا - وهي أن عضوية الاتحاد الأوروبي تعني أن المملكة المتحدة لا تستطيع السيطرة على الهجرة. على نطاق أوسع، البريطانيون هم أقل احتمالا للبقاء داخل منظمة يبدو أنها تفشل. إذا صوتوا للمغادرة، عندها فإن شعور الأزمة داخل الاتحاد الأوروبي قد يشتد - ما يثير احتمال المزيد من الانشقاقات.
التفكك الجزئي وتهميش الاتحاد الأوروبي لا يزال يبدو أكثر احتمالا من الانهيار واسع النطاق. لكن حتى إذا استمرت منظمة تسمى الاتحاد الأوروبي في البقاء - تتولى إدارة المباني ودفع الرواتب - فإنها تخاطر بأن تصبح خارج الموضوع على نحو متزايد.
أفضل طريقة لتجنب هذه المصائر المؤسفة هي أن يثبت الاتحاد ملاءمته وفعاليته - من خلال إظهاره لمواطني الاتحاد الأوروبي أن العمل الجماعي والتعاون هما الطريق الوحيدة للتعامل مع قضايا مثل أزمة المهاجرين.
المشكلة هي أن إجراءات اتخاذ القرار المعقدة وغير العملية في الاتحاد الأوروبي تجعل الاستجابة بسرعة وبشكل متماسك لأية أزمة أمرا صعبا للغاية - كما يتبين لنا من قضية المهاجرين.
بالنسبة للناس من جيلي، أحد المواضع السياسية الأساسية خلال السنوات الـ 40 الماضية كان التقدم المطرد للمشروع الأوروبي. من الصعب (وهو أمر ينذر بالخطر) أن نتصور أن يعود كل هذا إلى الوراء. لكن تاريخ أوروبا المضطرب مليء بأمثلة على إمبراطوريات وعائلات مالكة وتحالفات ارتفعت لتكون عظيمة ثم انهارت. المنظمة التي يذكرني بها أحيانا الاتحاد الأوروبي هي عصبة الأمم - وهي هيئة رفيعة، كانت ملتزمة بالتعاون الدولي وحكم القانون - التي اكتسحت في النهاية بفعل الأحداث الدولية التي لم تستطع التكيف معها.

ليست هناك تعليقات: