الثلاثاء، 13 يونيو 2017

الرد على مغالطات قانونية فادحة لرئيس مجلس النواب المصرى: من دكتور وجدى ثابت غبريال .بكلية الحقوق - جامعة لاروشل في الحكم بـ #تيران_وصنافير_مصريه

دكتور وجدى ثابت غبريال .. بكلية الحقوق - جامعة لاروشل 

الجمهورية الفرنسية و عضو الجمعية الفرنسية للدستورين .
يؤسف كل من يقوم بتدريس القانون- و من باب اولى فى جامعة فرنسية - لاسيما اذا تعود على تقديس أحكام القضاء الادارى فى فرنسا فهى صاحبة فكرة نظام القضاء المزدوج- أن يرى اليوم هذا المشهد العبثى فى مصر الذى لا يسقط فيه طالب فرنسي بكلية الحقوق .

و كأننى اعود الى مدرجى المعتاد صباح الاثنين و التقى بطلاب السنة الاولى لالقنهم مضامين المفاهيم القانونية الاولية التى اختلت فى اذهان جزء من اعضاء البرلمان المصرى و من بينهم رئيسه الذى يفترض فيه انه قام بتدريس تلك المفاهيم لطلاب حقوق عين شمس .
لقد فضحت قضية الجزيرتين الجهل الراكد الذى تسترنا عليه فبلغ حد البلطجة القانونية و تكررت التصريحات المعبرة عن الاخطاء الفادحة فى المعرفة القانونية الاولية و الخلط فى المفاهيم على نحو يعبر عن جهل شديد بمضمونها و هو ما ينبغى هنا تصحيحه. موضوع هذا المقال ليس اذن تعليقاً على حكم المحكمة الادارية العليا الصادر منذ عام بالتمام و الكمال فقد سبق لنا التعليق المطول على اسباب الحكم و ليس رأياً فى نزاع دولى حدودى نفتى فيه حول جنسية الجزيرتين. 

موضوع المقال يقتصر على الرد على الحجج الواهية التى ساقها رئيس البرلمان المصرى لتبرير تصدى مجلس النواب للاتفاقية رغم حكم المحكمة الادارية العليا والتى لا يجب ان تصدر من استاذ قانون لما فيها من اخطاء جسيمة فى الفهم.
◼️الخطأ الاول : "ان حكم المحكمة الادارية العليا هو و العدم سواء لانه يتغول على سلطة البرلمان و ينتهك مبدأ الفصل بين السلطات. و تبعاً لا توجد اى سلطة من شانها ان تغل يد البرلمان عن مناقشة اتفاقية و لا حجية للحكم اذن فى مواجهة البرلمان "
الرد على الخلط المحزن يتلخص فى الاتى : 

الاحكام القضائية تحوز حجية مطلقه مادامت نهائية و باته و لا جدال فى ذلك المبدأ و لا تأويل فيه على حسب اهواء كل سلطة أو القائمين عليها. و مفاد الحجية المطلقة انها تفرض ذاتها على جميع السلطات العامة فى الدولة التشريعية و التنفديذيه و على الاجهزة الادارية و القضائية الاخرى التى عليها الالتزام بمحتواها . و لا يقبل هذا المبدأ اى استثناء من اى نوع و لا يترخص للبرلمان التنصل منه بتفسيره الشخصى للمبدأ و لا يقدح من هذا المبدأ و لا ينال منه ما يتوهمه رئيس البرلمان من تغول على سلطاته بل يجب ان يعود للقضاء مرة اخرى لانه صاحب السلطة الوحيد فى تفسير الاحكام الصادرة من محاكمه المختلفه و لا يحق لرئيس المجلس تفسير حكم المحكمة على انه تغول يقابله التجاهل او عدم الاعتداد بحكم المحكمة
هذا التصرف له اسم واحد فقط :" مسخرة" لم نرَ مثلها حتى ايام مرسي الذى كان يضرب عرض الحائط باحكام القضاء 
على رئيس البرلمان حتى يجنب الدولة ازمة بين المؤسسات الدستورية اما اللجوء الى القضاء لتفسير الحكم و اما التشريع لتفادى اثار الحكم ذات الحجية المطلقه عليه و على الكافة و على اعضاء البرلمان و على رئيس الجمهورية ذاته الذى ابرم المعاهده من خلال رئيس الوزراء دون مراعاة الشروط الدستورية الشكلية التى نص عليها الدستور الجديد 
و ليس فى خضوع البرلمان للقضاء بدعاً من القول فهو يخضع لامر القضاء فى حالات اسقاط العضوية و فى الرقابة على دستورية التشريع الذى تم التصويت عليه بل و قبل صدور القانون عند مراجعته من قسم التشريع بمجلس الدولة. و سبق ان الغى القضاء و ابطل ما هو اعلى من البرلمان فى قدسيته الا وهى الجمعية التاسيسيه التى كان منوطاً بها اعداد دستور ٢٠١٢ و قضى ببطلانها كما قضى بحال البرلمان ذاته فى ظل ذات الصيحات الجاهلة التى لا تفهم ان دور القضاء هو الفصل فى مشروعية و دستورية الاعمال القانونية الصادرة من سلطات الدولة المختلفه بما فى ذلك السلطة التنفيذية و بهذه المثابة و تلك الصفة تصدى القضاء الادارى للمعاهدة 
و لا ننسي كذلك ان القاضى الادارى ذاته فرض رقابته على قرار دعوة الناخبين للاستفتاء إبان الحقبة السوداء المرسوية و ذلك فى ظل مفاهيم عتيقة لنظرية اعمال السيادة التى تطورت فى فرنسا حتى تلاشت نهائياً كما سنبين ذلك فى السطور القادمة



◾️الخلط الثانى . وفقاً للهوى الشخصى و الميل السياسي لرئيس المجلس و ليس وفقاً لتصنيف القضاء لما يعتبر من اعمال السيادة اصبحنا نشهد تكييف بعض اعضاء البرلمان و رئيسه يتجاهلون تكييف القاضى فيدرجون ابرام الاتفاقية فى نطاق اعمال السيادة حتى لو خالفت السلطة التنفيذية الشروط الدستورية الشكلية و الموضوعية للابرام و وفقاً لهم يتحصن عملها من رقابة القضاء فلا يجوز له تناولها و ليس الا للبرلمان فقط حق التصدى لها.
و هذا ايضاً خطأ جسيم يعبر عن سطحية النظرة و عدم الفهم و الجهل بالدستور ذاته.

- الرد على الخلط. 

ليس اخطر على علم القانون الا المعرفة الجزئية به . فالمدافعون عن نظرية اعمال السياده يتجاهلون او يجهلون امرين 
الاول . ان اعمال السيادة تطورت فى اتجاه الانحسار و تم التخفيف منها و من حدتها فى قضاء مجلس الدولة الفرنسي و مجلس الدولة المصرى . بل و حتى فى النطاق الوحيد الباقى لها و هو الاعمال الدبلوماسية و الدولية حدث تطور مذهل من خلال نظرية "الاعمال المنفصلة les actes détachables " التى لم يسمع عنها نوابنا و لا رئيس مجلسهم بينما يعرفها طلاب الحقوق فى الجامعات المحترمة لانها تعنى بسط رقابة القاضى الادارى حتى فى المجالات العسكرية و الدبلوماسية الدولية فى حالات محددة :

اذا كانت الشروط "الدستورية الشكلية" لاتخاذ العمل لم تراعٓ و هنا نحن امام رقابة على "المشروعية الخارجية للعمل Légalité externe de 

او اذا كانت "الشروط الدستوريه الموضوعية" للعمل لم تحترم و هنا تنبسط رقابة القاضى الادارى على "المشروعية الداخلية" للعمل الصادر من السلطة التنفيذية. Légalité interne 
و هذا هو قضاء مجلس الدولة الفرنسي و تابعه فيه مجلس الدولة المصرى و حكم المحكمة الادارية العليا الذى تم تجاهله و الصادر فى ٢١ يونيه ٢٠١٦ و يعبر عن تطور قضائي هام فى نظرية مرنة طورها القضاء كما انشأها تماماً مثل نظيره الفرنسي الذى قام بذات الدور بتقليص نطاق تطبيق نظرية اعمال السيادة لا سيما اذا كانت الاعمال المنفصلة عن الاعمال السيادية يترتب عليها المساس بحقوق الافراد و حرياتهم او بحقوق السيادة للدولة فهنا ايضا يفرض القضاء رقابته عليها. و لا غرابة فى ذلك كله الا عند المتحزبين !

بقى شئٌ أخير و هو الامر الثانى : 

ليس من حق البرلمان تكييف العمل الصادر من السلطة التنفيذيه و لا يجوز له التغول على صلب اختصاص القضاء الادارى فى هذا الشان. فليس رئيس البرلمان الذى يقرر و لا حتى باغلبية نوابه ما هى الاعمال التى تدخل فى اعمال السيادة او تخرج عنها و انما القضاء الادارى فحسب هو صاحب الاختصاص الوحيد فى التكييف القانونى للعمل و هو الجهة الوحيدة التى تملك بسط اختصاصها او حجبه على اعمال السلطة التنفيذية و ليس البرلمان لان نظرية اعمال السيادة نظرية قضائية ابدعها مجلس الدولة الفرنسي و طورها و سار فى ركبه فى التطبيق و التطوير مجلس الدولة المصرى منذ نشاته سنة ١٩٤٦ فهو الذى يُقَيم دون غيره ما يمكن اعتباره من اعمال السياده من عدمه . 
البرلمان يشرع و يراقب الحكومه و لكن اذا ما ابطل القاضى عملا فالعمل اصبح منعدماً فى الوجود القانونى و ليس الحكم النهائي البات الذى ابطله هو الذى يضحى منعدماً كما يدعى طرةٌ من الجهلاء و اصحاب الرأى الغريض.

الخلاصة 

-----
هذا ما تعلمناه و نقوم بتدريسه بكليات الحقوق فى مصر و فرنسا وفقاً لاخر تطورات نظرية اعمال السيادة قبل ان يأت عهد علت فيها اعتبارات التحزب السياسي المريض على اعتبارات الصرامة القانونية و المعرفة العلمية و اصبح صوت مدعى الفقه اعلى من صوت احكام القضاء النهائية الباته التى تتركز حولها معرفة القانون الوضعى و التى يفترض فى كل استاذ قانون الالمام بها بدلاً من انكارها و احلال تكييفه هو محل تكييف القاضى. ما يراه استاذ القانون من حلول هو وجهة نظر انا ما يراه القاضى من حلول فهو القانون الوضعى الملزم للجميع. 
القانون الادارى و الدستورى منذ البدء هو ما يصنعه المشرع و القاضى الادارى و الدستورى و ليس ما يصنعه الفقيه باهوائه الحزبية حيناً و بانكاره لمضمون احكامه احياناً

ليست هناك تعليقات: