يتكرر المشهد السياسي في مصر منذ أيام حكم مبارك و كأن المخرج و
الممثلون فيه مجانين يعيدون نفس المشهد أكثر من مرة و يتوقعون و يناورون لنهايات
مختلفة .. كلاكيت ثالث مرة .. بضعة آلاف
من القطط السمان و أذنابهم من المنتفعين بمائدة الشيطان (المصلحة)وانتخانة تنابلة السلطان
من المطبلين و المتعصبين يطلقون السباب و يحرقون الوطن من أجل سريد السلطان،
يشوهون وجه الوطن بالسباب لكل العباد تارة فلول و تارة خرفان و تارة عبيد البيادة
.
لايدركون أن الغلابة هم السادة و مهما صنعوا من أفلام هابطة تمتلأ
بالسقوط و البذاءات لن يرضي الناس الا العيش و الحرية و العدالة و الكرامة
الإنسانية .
نترك الآن المشهد السياسي القبيح
لمشهد الفن الجميل و تأملات الشعراء
و الأدباء في لوحة العميان الستة التي رسمها بيتر بروجل الأكبر (Peter
Bruegel) عام 1568 وهي محفوظة في المتحف الوطني بمدينة نابولي. يعد بيتر
بروجيل من أعظم مصوري المناظر الطبيعية وأهم رسام ساخر في هولندا بعد هيرونيموس
بوش. سنة ميلاده غير معروفة على وجه التحديد، لكن يحتمل أن يكون قد ولد
بين عامي 1525 و1530. أول رسم معروف له يرجع إلى سنة 1553. هذه الصورة التي رسمها
هي من آخر أعماله.
“الرسم شعر صامت، والشعر
رسم متكلم”، هذا ما قاله المؤرخ الإغريقي بلوتارخ. لقد تأمل الشعراء من مختلف العصور تلك اللوحة
وحاولوا الغوص في أغوار العمل الفني وفك شفراته ليجعلوا منه لوحات تتكلم وترينا
الحقيقة.
إن
وقفت يوماً أمام لوحة العميان الستة للفنان بيتر بروجيل و تأملتها تجدها حرّكت بك
معاني سامية للسائرون عمياناً خلف من يقودهم كالقطيع .
هذه
اللوحة النابضة بالأحاسيس ,لبيتر بروجيل الأكبر أو الأول الذي يلقب باسم
بروجيل
الفلاح أو الريفي ، يعدّ من أعظم مصوري المناظر الطبيعية ,هولندي ، سافر إلى فرنسا
وايطاليا وصقيلية ، زار روما سنة 1553 ثمّ عاد إلى وطنه .
لوحة
العميان الستة كانت آخر مارسم في حياته ,وهي لوحة قيل إنها تحذّر المبصرين الذين
ليسوا خيراً من العميان ، وأن البشر يسقطون غالباً في حفر الطريق حتى يسقطوا
أخيراً في حفرة الموت
من
الذين وقفوا أمامها وتأملوها الشاعر الألماني «فالتر باور» فكتب قصيدته «العميان»
قائلاً:
«موكب ستة عميان يخترق الصورة ,ينحدر إلى أسفل
,السقوط حتمي , فالأعمى يتبع الأعمى, لابد من أن يسقط, تراهم قادمين, ستة شحاذين
، ستة عميان, يسحبهم أعمى كل يوم, وكذلك في هذا اليوم, وهم يثقون به ثقة عمياء
,كما يثقون ببعضهم, واليد التي يضعها كلّ منهم على كتف صاحبه.. إنهم يثقون
بأولهم في الصف ,فالظلمة في عينيه تعني البعد الأبعد ..»
إلى
آخر القصيدة ، بينما الشاعر «إريش لوتس» الذي فقد بصره في الحرب العالمية الأولى
وتعلم رؤية الصور بخياله وتدريب ذاكرته على الاحتفاظ بالانطباعات الصورية ,فقد
كتب عن لوحة العميان قصيدة بعنوان «أمثولة العميان»
«نحو الموت الداهم تتعثر أقدام رجال ستة, الكريات
بتجويف الأعين جوفاء بغير بريق
وشعاع
الحب كذلك مطفأ والكلّ تشبث بقضيب وتحسس وجهة دربه سقطوا في قبضة قدر أعمى واندفعوا
في الليل الأعمى...»
أما
الشاعر الإيطالي «كارلو كاردونا» فقد عنون قصيدته ب «عميان بروجيل» فقال:
«على اليسار, تترك الكنيسة, أعمى يتمسك بعصا
أعمى, يتشبث بجسد أعمى ، يتمسك بعصا أعمى, يسقط في أرض عمياء, بغير قرار».
أما
حين رأيت صورة اللوحة, تمعنتها جيداً, فحركت وجداني ,وتحضرني قصة القاصة الرائعة
نجاح إبراهيم, القلب أبيض الكونُ ساكنٌ ، والغروب فرشَ أرديته الغامقة بهدوء ،
ولاشيء يكسرُ الصمتَ سوى صدى خطواتٍ لموكب العميان الستة ، هؤلاء الذين يمرّون
بتلك البقعة من الأرض كلَّ مساء ، عابرين سبيلهم حيث كوخهم بالطرف الشمالي
للبلدة.
يسيرون
عبرَ رتلٍ واحدٍ ، أثمالهم على أبدانهم تتهدّل ، مُتعبين ، يجرّهم أعمى ، فيه قد
وضعوا ثقةً لا مثيلَ لها ، وكأنه يختلف عنهم ، يتميز بنظرٍ ثاقب ، يلحقون بخطواته
حتى وإن أوصلتهم إلى الجحيم.
يسيرون
موغلين في الصّمت والأحلام والكآبة ، وأعينهم الجوفاء المرفوعة إلى أعلى حيث لا
بريق فيها ولا التماع ، فارغة ، تحومُ فوقها سحابات من الأفكار التي تُشبه أغاني
الرعاة تمزّقها الريح في الشتاء ثمّ تلمّها ، وكثيرٌ من الأسئلة تضجُّ في الصدور
المغلقة. يالوجوههم!
كأن
فيها ملامح الغرباء ، وجوهٌ لوحتها الشمسُ والريحُ والمطرُ ، وبقيت رغم ذلك توحي
بالسكينة والخواء من أي معنى!
كيف
لهم أن يُظهروا كل هذا الخواء في ملامحهم ، وهذا الصمت المُريب في حركاتهم البطيئة
، الوئيدة؟!
بيدَ
أن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن رؤوسهم ملأى بالأفكار والأحلام. خطواتهم تمضي بهم
إلى الأمام ، بقوّة قلوبهم ، يسيرون في الأرض ولسان حالهم رغم فقرهم ينطق:
«علينا أن نمضي قُدُماً».
كان
كلُّ واحدٍ فيهم ذاهباً في حوار داخلي يعيشه بينه وبين نفسه ، قد يبدو المشهد لبعض
المبصرين حزيناً يؤلم القلب ، ولكن لبعضهم الآخر يذكّر بقول الشاعر:
«وما استعصى على قومٍ منالُ
إذا
الإقدامُ كان لهم ركابا.(1)
هاهم
ماضون ،
وفي
يدِ كلِّ واحدٍ عصا هي بمثابة حبل السرّة الذي يربطه بهذه الأرض ، كسر الصمت قول
أحدهم للأعمى الذي يسبقه بخطوة ،بينما يدفع بعصاه إلى الأمام:
- الهواء العليل يأتيني كبقعٍ بيضاء في حلكة عينيّ
،تُرى هل الكون أبيض يا صديقي؟
يردُّ
الآخر وابتسامةٌ كبيرة ترتسمُ على الوجه اليابس:
- الكون أبيض وأسود ،هذا ما أعتقده ،تماماً كما نحن
البشر سواء أكنّا مبصرين أم عمياناً.
يتدخل
في الحديث آخر ، وكان قد سمع حوارهما فقال بما يشبه الهمس:
- لولا سواد بعضنا لكان البياض أصمُّ
ولولا
بياض بعضنا لكان السواد أعمى.(2)
وأردفَ
ضاحكاً:
- طبعاً هذه ليست مقولتي ،هذه مقولة أحد الكتّاب
كانت قد تناهى إلى سمعي ذات زمنٍ
فحفظتها
لأنها تلمسُ شيئاً في داخلي.
ضحك
الجميعُ ضحكاً هادئاً ،وراح معظمهم يردد بصوتٍ خافتٍ:
- السواد أعمى ، السواد أعمى.
وبدت
في هذا المساء الساكن كأنشودة صغيرة ترتفع فوق رؤوس الأشجار القريبة ، وفوق صفحة
الماء المتداكنة ، بيدَ أن أولهم ، أي قائد الموكب ، قال وهو يحدّق في الفراغ
كالهائم:
- ولكن القلب أبيض.
ثم
مضى ،يتبعه الآخرون ، انقطع الحوار فسادت فترةُ صمتٍ ، راح الأعمى الرابع خلال ذلك
يردد في أعماقه صوت امرأة تركت هذا الصباح في كفّه قرشاً دافئاً ، وهتافاً لذيذاً
في أذنه:
«هذا لك.»
وتابعت
سيرها ،بينما بقي شذاها في المكان يخترق أنفه وروحه ويؤجج أحلامه ، فهجس:
- آهٍ ،في صوتها الدفيء ما يُفتن الملائكة.
وتذكّر
صوت أمه ،حين كان صغيراً ،قبل أن يفقدها فيصبح يتيم الأبوين، كان يسمع صوتها
الحنون وهي تدفع بحبّات الأرزّ والزيوان لطيور الصباح ،يسترق نفسه من فراشه
ويتقدّم تجاه النافذة، يمسك بقضبانها الحديدية الباردة ويصغي لهذا الترتيل ،فانطبع
في ذاكرته أنّ لكلِّ امرأةٍ صوتٌ جميل.
هاهو
يسترجع صوتَ المرأةِ، يتمنى هو المجدّفُ في بحرِ السواد أن يلتقيها ثانيةً، ويروحُ
في حلمه ،بينما كان الأعمى الثالث يتمتم بخشوعٍ:
- امنحني يالله القوة لأستنشق عبيرك المبثوث في هذا
الكون.
أما
الأعمى الخامس فراح يتساءل:
- ماالذي يجمعنا نحن الستة؟ قدرٌ أعمى ،أم خطوات
عاثرة وفقرٌ مدقع؟ أم أحلام مثقوبة؟
أم
شهوات مهزومة؟
وظلَّ
يفكّر وعيناهُ الفارغتان تنظران إلى السماء ينتظر جواباً منها، أو من أحدهم.
بينما
الأعمى السادس فكان يهمس برضى وقد سمعه رفيقه الذي يسبقه:
- أحمدُ الله على أنني أعمى ،فلو كنتُ مبصراً لسال
لساني في نقد الناس والأشياء ، ولكان
كلامي
أشبه مايكون كسياط لاذعة تلسعُ ظهور العبيد ،هكذا أفضل ، لا أرى سوى السواد
فهل
للساني أن ينقدَ هذه العتمة المطبقة؟! فيأتيه صوت قائد الموكب الذي وصله قول
الأعمى السادس بوضوح:
- القلب أبيض.
ثم
يترك عصاه فجأةً ،
ويدفع
بأصابعه صوبَ قلبه ،يُدخلها من شقِّ القميص البالي فتلامس قطراتِ زيتٍ دافئة ،تسيل
من القلب عبر المسام ، فهو منذ سنتين بل تزيد ،وجد قلبه ينزُّ زيتاً ،وقد رأى قبل
ذلك بيوم السيدة العذراء أم يسوع تبارك له هذا القلب الأبيض ، فتلمسه بأناملها
المباركة ،ومن حينها صار يقطرُ زيتاً مباركاً ،قال له رفاقه حينئذٍ:
- أنتَ قدّيس.
ولكنه
ضحكَ ملء قلبه الأبيض ونام قريراً.
أما
الآن فحين أراد أن يلامس بأصابعه زيت قلبه ،لم يكن يدري أنّ حفرةً تقع أمامه
،تنتظرُ أن تتندّى بزيته المقدّس ،فسقط بعد أن أُفلتت عصاه من يده ،وسقط من بعده
الآخرون ،إلا أن أحداً منهم لم يغضب مما أصابه ، لأنهم يدركون تماماً أنهم سينهضون
ويمضون ، ويعبرون يومهم بسلام كما كلّ مرة ، وسيحلمون طيلة ليلهم حتى تنبتُ في
قلوبهم الخُضْرَةُ.
1ـ البيت للشاعر أحمد شوقي
2ـ المقولة : لجبران خليل جبران


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق