معظم الناس ينظرون لكبار السن على أنهم مثال
للمحبة واللطف والحنان , فهم عبق الماضي وبقية زمن ولى كانت فيه البساطة
والطيبة هي العنوان , أو بالأحرى هذا ما يحلو لمعظم الناس تخيله عن الماضي
وأناسه , وهي نظرة فيها الكثير من الغلو والشاعرية , فعجائز اليوم كانوا
حتما شباب الأمس , وكانوا يرفلون بجميع الحماقات التي رافقت البشر منذ
الأزل , كالعنف والقسوة والشهوة والأنانية والطمع ... وأنا بحكم سني الذي
جاوز الأربعين عاما فقد عاصرت عنفوان الشباب للكثير من عجائز اليوم ,
وأذكر جيدا بأن - البعض منهم - لم يكونوا عنوانا لا للطيبة ولا للمحبة ,
بل كانوا نموذجا للحماقة والاستهتار , وربما فاقوا في طيشهم شباب اليوم .
لكنهم اليوم بعد أن سقطت أسنانهم ووهنت عظامهم وزادت أمراضهم وخارت قواهم
وخبت شهوتهم والتبست عقولهم .. صاروا كالحمل الوديع بعدما كانت الذئاب
تخاف منهم وتخشاهم . وهذا هو حال الدنيا , فقد قالوا قديما : "كل قوي
للزمان يلين" .
سفاحة ساكرامنتو
![]() |
ولدت مع الكساد الكبير عام 1929 حيث كان اغلب الامريكان جائعين ومشردين
|
لو سألت أحدا من جيرانها عنها فسيخبرك فورا
بأنها خير مثال للإيثار والتضحية في سبيل الآخرين , فهي تأوي العجزة
والمسنين , خصوصا أولئك الذين لا يريدهم أحد , من مرضى ومدمنين ومشردين ,
تفتح لهم أبوابها وتحيطهم بأقصى درجات العناية والرعاية , مجانا أحيانا ,
وقد يمتد كرم نفسها وسخاء يدها ليطال الحيوانات أيضا , فكثيرا ما يراها
الجيران وهي تستمتع بإطعام القطط المشردة والضالة في حديقة منزلها ...
تلك هي دورثي بونتي , العجوز الوادعة التي ما أن تراها حتى تقفز إلى ذهنك فورا صورة الجدة الطيبة الرءوفة الحانية .
لكن المظاهر كثيرا ما تكون خادعة ..
لكن المظاهر كثيرا ما تكون خادعة ..
فما لا يعرفه الكثيرون , خصوصا جيران دورثي
, هو أن هذه العجوز التي تبدو في غاية الرقة لها ماضي أسود كسواد الليل
البهيم . وأن الكثير من الأكاذيب التي درجت على أخبارها للآخرين حول
ماضيها لا وجود لها إلا في عقلها المريض . فهي لم تولد لوالدين ثريين من
الجنوب .. لا .. هي ولدت في ريدلاند - كاليفورنيا عام 1929 لأبوين فقيرين
يعملان كأجيرين في مزارع القطن , وقد صادف مولدها نحسا كبيرا , ففي تلك
السنة وقع الكساد الكبير , وهي أزمة اقتصادية خانقة ألمت بالولايات
المتحدة والعالم وخسر الناس بسببها وظائفهم ومدخراتهم وحتى منازلهم ,
وأنتشر جراءها الفقر والجوع والتشرد والمرض في كل مكان , وكان لعائلة دورثي
نصيب من ذلك البؤس , حيث مات أبوها عام 1937 بمرض السل , ولحقته أمها بعد
عام واحد , وانتهى المطاف بدورثي إلى دور الأيتام .
![]() |
هربت لتتزوج بجندي شاب ..
|
كانت دورثي طموحة ومتمردة منذ نعومة أظفارها
, هربت من الميتم في سن السادسة عشر لتتزوج بجندي عائد توا من ساحات الوغى
في أوربا , حدث ذلك عام 1945 , وسرعان ما تكلل ذلك الزواج بإنجاب طفلتين
جميلتين , لكن دروثي لم تحتفظ بالطفلتين , ربما بسبب أنانيتها , أو فقرها
المدقع , فأرسلت إحداهما لتعيش مع أقارب لها في مدينة أخرى , فيما أعطت
الثانية لزوجين قررا أن يتبنيانها .
ومن الأكاذيب الأخرى التي اعتادت دورثي
تلفيقها هي أن زوجها الأول مات جراء سكتة قلبية , وذلك غير صحيح أيضا , فهو
لم يمت , لكنه هجرها عام 1948 بعد أن أجهضت , تركها دون مال , فحاولت
تدبر أمرها بتزوير عدد من الشيكات , لكن ألقي القبض عليها وسجنت لمدة ستة
أشهر .
بعد خروجها من السجن أنجبت طفلة من علاقة
عابرة مع رجل لا تعرفه التقت به صدفة في حانة , وكان مصير الطفلة هو التبني
أيضا . دورثي مارست السرقة والبغاء لفترة قبل أن تتزوج من رجل يدعى اليكس
جوهانسن , وذلك عام 1952 , وقد كان زواجا بائسا تعيسا بكل معنى الكلمة ,
فلم تلبث دورثي أن عادت لمشاكلها مع القانون , وألقي القبض عليها عام 1960
بتهمة إدارة بيت دعارة فنالت حكما بالسجن لثلاثة شهور , وما أن أطلق
سراحها حتى عادت إلى السجن لثلاثة أشهر أخرى , هذه المرة بتهمة التشرد .
لاحقا عملت دورثي كمعاونة ممرضة , كانت
وظيفتها تقتضي رعاية المسنين والعجزة , وعن طريق هذه المهنة تعلمت بأن
الاحتيال والنصب على المسنين , خصوصا الذين لا يرعاهم أحد , أسهل بكثير من
أنواع الجرائم الأخرى , فبدأت تتردد على الحانات لاصطياد المسنين , خصوصا
المتقاعدين , كانت تقوم بتزوير إمضائهم ثم تستلم شيكات الرعاية
الاجتماعية الخاصة بهم , لكن سرعان ما تم اكتشاف حيلتها وانتهت إلى السجن
مجددا .
في عام 1966 تزوجت برجل يدعى روبيرتو بونتي
, وذلك بعد أن حصلت على الطلاق من زوجها السابق , ولم يكن زواجها هذا
أفضل حالا من سابقه , إذ انتهى هو الآخر إلى الطلاق بعد عامين . وفي عام
1976 تزوجت للمرة الأخيرة في حياتها من رجل سكير , ولم يدم هذا الزواج سوى
بضعة أشهر .
![]() |
منزل دورثي بونتي حيث وقعت الجرائم
|
في هذه الفترة بالذات انتقلت دورثي إلى منزل كبير في شارع 1426 F
في ساكرامنتو وبدأت تؤجر الغرف للعجزة وكبار السن , كانت خطتها بسيطة ,
فهي تبحث عن المسنين الذين يحصلون على معونة الرعاية الاجتماعية الحكومية ,
كانت تستولي على الشيكات التي تصلهم وتودعها في حسابها البنكي . ولأن بعض
أولئك المسنين كانوا يتذمرون جراء سرقة أموالهم , فقد قررت دورثي إسكاتهم
إلى الأبد عن طريق قتلهم , وأولى الضحايا كانت صديقة لها تدعى روث مونرو
انتقلت للعيش معها عام 1982 ولم تلبث أن ماتت جراء جرعة زائدة من الدواء ,
لكن الشرطة لم تشتبه بدورثي .
دورثي لم تتمكن طبعا من إسكات الجميع ,
فلقد تمكن أحدهم ويدعى مالكوم مكانزي من الاتصال بالشرطة وأتهم دورثي
بتخديره وسرقة أمواله , فالقي القبض عليها وحكم عليها بالسجن لمدة خمسة
أعوام .
خلال وجودها في السجن بدأت دورثي تتبادل
الرسائل مع قريب لها متقاعد يدعى ايفرسون غلماوث – 77 عاما – وسرعان ما
تطورت العلاقة بينهما إلى حب وغرام , وحين أطلق سراح دورثي مبكرا عام 1985
كان غلماونث ينتظرها بحرقة وشوق قبالة بوابة السجن بسيارته الفورد
الحمراء , وقد عاش الاثنان معا لفترة وخططا للزواج , حتى أن غلماوث أفتتح
حسابا بنكيا مشتركا مع دورثي , لكنه ما أن فعل ذلك حتى اختفى ولم يره احد
بعدها ! .
بعد اختفاء غلماوث بفترة جلبت دورثي عاملا
إلى منزلها وطلبت منه أن يصنع لها صندوقا خشبيا يشبه التابوت , قالت بأن
لديها أغراضا قديمة تريد أن تضعها في ذلك الصندوق , ولم تعطي العامل
نقودا مقابل عمله , بل وهبت له سيارة فورد حمراء قالت بأنها لصديقتها ولم
تعد تحتاجها . وحين انتهى العامل من الصندوق , وضعت فيه دروثي بعض الأغراض
ثم أغلقته بأحكام , طبعا العامل لم يرى ماذا وضعت دورثي داخل الصندوق ,
لكنها طلبت منه أن يساعدها في نقل الصندوق إلى مخزن يقع في ضواحي المدينة ,
فوافق على ذلك وذهبا معا بالسيارة , وفي منتصف الطريق طلبت منه التوقف
وجعلته يرمي الصندوق على ضفاف أحد الأنهر قائلة بأنه لا يحوي أمورا ذات
قيمة ولا يستحق عناء دفع المال مقابل تخزينه .
بعدها بأشهر , في مطلع عام 1986 , كان أحد الرجال يصطاد على ضفة النهر حينما شاهد الصندوق وأرتاب بأمره فاخبر الشرطة عنه .
الشرطة فتحت الصندوق لتعثر داخله على جثة متفسخة بالكامل حتى أنهم لم يستطيعوا التعرف على هوية صاحبها .
![]() |
دورثي بونتي .. الجدة الامريكية
|
دروثي استمرت بسحب المال من الحساب البنكي
المشترك مع غلماوث وفي نفس الوقت كانت تتصل بعائلته وتخبرهم بأنه مازال
يعيش معها لكنه مريض ولهذا السبب لا يتمكن من الحديث معهم .
في هذه الفترة بالذات شهد عمل دورثي توسعا
كبيرا , كان هناك نحو أربعين نزيلا في منزلها , وأصبحت معروفة لدى موظفو
الرعاية الاجتماعية على أنها السيدة التي تستقبل في منزلها حتى الحالات
الصعبة والمزعجة , كالمسنين المدمنين على الكحول والعنيفين , طبعا دورثي
لم تكن تفعل ذلك من اجل سواد عيون هؤلاء المسنين , لكن غرضها الأساسي كان
الحصول على شيكات الرعاية الاجتماعية التي تصلهم شهريا عبر البريد , كانت
تسرقهم , وكان البعض منهم يختفون دونما أثر فيما تستمر هي في استلام
شيكاتهم .
لقد أزدهر عمل دورثي إلى درجة أنها كانت
تودع شهريا مبلغ خمسة آلاف دولار في حسابها البنكي , ولقد استطاعت تجنب
الشكوك والشبهات , لكن بعض الجيران بدءوا يشتكون من وجود رائحة كريهة
مصدرها قبو منزلها , فأحضرت دورثي رجلا مشردا سكيرا يدعى جيف وأخبرت
الجميع بأنها تبنته وأنه أصبح مساعدا لها . وسرعان ما بدأ جيف يحفر في
القبو بإشراف دورثي , لم يعلم أحد لماذا يفعل ذلك , لكنه كان ينقل أشياء
تحت جنح الظلام من القبو ويدفنها في الحديقة , ثم قام بصب أرضية القبو
بالخرسانة , ولم يره احد بعدها !.
في نوفمبر عام 1988 طرق المحقق جون كابريرا
باب منزل دورثي , زيارته لم تكن لها علاقة بأي شبهات أو شكوك تحوم حول
دورثي , بل كانت زيارة روتينية الغرض منها السؤال عن عجوز مصاب بالفصام
اسمه الفارو مونتويا كان موظفو الرعاية الاجتماعية قد أبلغوا عن اختفاءه .
كابريرا لم يعثر على مونتويا في منزل دورثي
, لكن أثناء خروجه من المنزل شاهد حفرة كبيرة تم ردمها حديثا في الحديقة ,
ولسبب ما لا يعلمه هو نفسه , قادته غريزته إلى أن يطلب من رجاله أن
ينبشوا تلك الحفرة , فشرعوا بالحفر , وما لبثوا سوى برهة حتى ظهرت لهم جثة
بشرية , كانت تعود لإحدى النزيلات وتدعى ليونا كاربنتر . وبمزيد من الحفر
تم العثور على 7 جثث أخرى .
![]() |
في قاعة المحكمة
|
العجيب أن الشرطة لم تلقي القبض فورا على
دورثي , بل سمحوا لها بالخروج لشرب كوب من القهوة في مقهى مجاور , وقد فرت
طبعا ما أن خرجت من المنزل , هذه المرة إلى لوس انجلوس , هناك تعرفت على
صاحب فندق وصادقته , لكنه تعرف على صورتها صدفة بينما كان يشاهد أحد
البرامج التلفزيونية التي تتحدث عن الجرائم فأبلغ الشرطة عن مكانها .
الشرطة ألقت القبض على دروثي وتم تقديمها
للمحاكمة بتهمة القتل , ولا يعلم على وجه التحديد كم عدد ضحاياها , لكن
الشرطة تعتقد بأنها قتلت ما بين 9- 11 إنسان . وقد طالب الادعاء العام
بإنزال أشد العقوبات بحقها , أي الإعدام , شارحا للمحلفين كيف كانت تقتل
ضحاياها بكل برود ودناءة عن طريق تخديرهم ثم خنقهم بالوسادة . لكن محاميها
استعطف المحلفين بالتطرق إلى طفولتها البائسة والأثر الذي تركته على
تصرفاتها ونفسيتها .
بالنهاية حصلت دورثي على حكم بالسجن لفترتي
مؤبد من دون إمكانية الحصول على عفو . وطوال السنوات التي قضتها في السجن
كانت دورثي تصر على أنها بريئة , وبأن جميع أولئك المسنون ماتوا جراء
أسباب طبيعية ولم يقتلهم أحد .
في عام 2011 ماتت دورثي بونتي في زنزانتها لأسباب طبيعية .
في عام 2011 ماتت دورثي بونتي في زنزانتها لأسباب طبيعية .
-------------------






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق