النّوارس
هذا الصّباح ...حلّقت
صاخبة...و دَوْزْنَ الموج وَقْعَ صخبها...فوق رذاذ الموج ،ازدحمت أجنحتها ...و تراقصت متزاحمة...و على الأرصفة ... لا يزال ظبيٌ شارد يركض على غير
هدى...زئير النّمور يُرْجِفه...و عيناه السوداوان تفرّان إلى البراري ...و قلبه
الصغير يخفق مرتعدا...ظنّ لبراءته أنّ المدن لا تستوطنها الضّباع...فراح يتجوّل
بجماله و سذاجته...حتى جرفه النّهر الأحمر... و أغرق حوافره...نظر فزعا إلى الجدران...و إذا بكلّ الظّباء معلّقة... رؤوسها الصّغيرة تقطر ...و
عيونها الواسعة منطفئة...و جلودها اللّامعة الحريريّة تتساقط رقاعا...بين أنياب الظّباع
البشعة...فوقها...تنهش الحروف و تمضغها... ثمّ تبزقها وعودا للغررة...كمْ مضى على
هدير الغاب..؟؟...و كم مضى على رائحة السّرو و الإكليل و الزّعتر...؟كلّ مساء ...
تسير الظّباء ... و عيونها مرشوقة في قرص الشّمس المتّقد... حافية من الرّكض
...فما عاد الغاب يهدر في رئتيها...و كل مساء تتسلّل إليها الهمسات خلسة من
الأفواه المعلّقة.... " حذار أيّتها المبتهجة بقيدها... فالمدينة لم تفْقَهْ بعْدُ أنّك ظبيةٌ
لا تُسْبىً و لا تُذْبح..." ...و تتلفّتُ حولها منذعرة...لا أقفاص
تُخيفها...و لكن كلمات تتلوٌى و تزحفُ نحو عنقها...أرصفة لم تعد تحمل رائحة السّرو...و
لا شجر ينبت على جوانبها...و صقورها عافت الجيف...فظلّت على رؤوس السّروِ منتصبة
... مدينة تغرق في رجع الصّدى...بعد أن خوى حلقها من كل صوت...و لكن ...و فوق شفاه
شواطئها...لا تزال النّوارس تُواصل الرّقص فوق حلمات الأمواج ...و ترضع زبدها... و
نشيدها المُتْرع بصهيل البحر يعلو و يعلو و يعلو ...ثم و كصقر متعطّش .... يهوي
فوق ضباع الأرصفة...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق