قبل
أيام سمعت من وزير مسؤول عن إحدى وزاراتنا المهمة فى الحكومة الحالية، أنه
فى أول أيام عمله بعد تشكيل الحكومة طلب ممثلو العاملين فى الوزارة اللقاء
به. ورحب الرجل متوقعًا أن يسمع اقتراحات جديدة
لتحسين الأداء أو تخفيف معاناة المتعاملين مع الوزارة، لكنه فوجئ بأن
المطلب الأول والأساسى لطالب اللقاء هو أن يصدر قرارًا يعطى الأولوية فى
التعيين بالوزارة لأبناء العاملين بها!! ورفض الرجل بحسم، ولعله يعانى مع
العاملين حتى الآن من آثار قراره الحاسم.
ما رفضه هذا الوزير لا يرفضه غيره من الوزراء والمسؤولين. والنتيجة أنه إذا كانت ثورة يناير قد منعت مخطط توريث الحكم أو الرئاسة، إلا أننا لا نزال نعيش فى ظل نظام كامل للتوريث يحكم معظم المؤسسات العامة والخاصة.
وأن مصر التى وصلت قبل يناير إلى أن تكون «مصرَين».. مصر اللى فوق، ومصر اللى تحت، ما زالت كما هى!! وأن أحلام الناس فى العدالة الحقيقية ما زال أمامها سدود ولعل توريث الوظائف (خصوصا فى الأماكن المميزة) هو أحد العناوين البارزة لهذه الكارثة التى قد لا يدرك البعض آثارها الخطيرة على شباب ثار مرتين فى ثلاث سنوات، وما زال ينتظر أن تتحقق أحلامه فى العدل والحرية.
لم يذق جيلنا هذه المرارة. تعلمنا فى مدارس وجامعات ضمت الجميع بلا تفرقة، وانفتحت أمامنا أبواب العمل بالكفاءة وحدها. وكانت النتيجة أعظم طبقة وسطى شهدتها مصر، جاءت من أبناء الفلاحين والعمال وانفتحت أمامها أبواب التعليم، ووجدت مكانها الذى يناسب إمكانياتها.. فبنت قلاع الصناعة، وأبدعت فى كل المجالات، وأعطت لمصر بقدر ما أخذت وأكثر، وأسهمت -بعد ذلك- فى بناء النهضة فى كل أنحاء العالم العربى.
بعد الانقلاب على يوليو -وخلال أربعين عاما من الانفتاح السبهللى- تم اغتيال العدالة الاجتماعية بصورة بشعة، وانهارت الطبقة الوسطى، واتسعت الفجوة بين أغنياء الزمن الفاسد، والغالبية من الفقراء وانقسم المجتمع إلى قلة تحصل على كل شىء، ولا تترك لمعظم أبناء الوطن إلا الفتات.
وفى ظل هذا المناخ استفحلت ظاهرة توريث الوظائف.. أولًا لأبناء الأكابر فى البنوك والشركات المميزة، ثم لأبناء العاملين فى مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء الذى يفترض أن يكون أكثر المؤسسات تحصينًا ضد هذا الوباء!!
ولا أريد أن أعيد الذكريات الحزينة عن شباب انتحر لأن حقه المشروع ذهب إلى أبناء الأكابر أو لسياسة توريث الوظائف. ولا أن ننكأ جراح شباب اجتهد وتفوق ثم وجد من يستبعده بسبب أصوله الاجتماعية، وكأن هناك قرارًا بأن يبقى أبناء الفقراء على فقرهم، وأن تظل الثروة والسلطة والمكانة والوظائف المهمة خاضعة للوراثة، محجوزة لأبناء الأكابر مهما كانوا فاشلين!!
لا أكتب لأستعيد هذه الذكريات السيئة، وإنما لبادرة أمل مع الإعلان عن عدة مشروعات قوانين جديدة قدمها المجلس القومى لحقوق الإنسان إلى مجلس الوزراء، من بينها مشروع قانون لإنشاء مفوضية تكافؤ الفرص وعدم التمييز. وهو مشروع كان محل اهتمام المجلس منذ سنوات. وأتذكر فى أثناء عضويتى فى المجلس سابقا أن الأستاذ محمد فايق (رئيس المجلس الحالى) قاد العمل لإنجاز هذا المشروع فى لجنة خاصة عملنا فيها مع الأساتذة منير فخرى عبد النور، ومنى ذو الفقار، وحافظ أبو سعدة، وحسام البدراوى، وغيرهم من الزملاء.
ولكن مشروع القانون تعطل كالعادة، ومع غيره من مشروعات القوانين مثل قانون بناء الكنائس، وإنشاء المفوضية الخاصة بالانتخابات.
الآن، وبكل صدق، نقول إن الأمور لم تعد تحتمل التأجيل. وإذا كان هناك قانون يستحق التعجيل بصدوره فورًا فهو القانون الخاص بعدم التمييز وضمان تكافؤ الفرص. ليس فقط لضمان العدالة، ولكن أيضًا لاستعادة ثقة الشباب ولترسيخ قيمة أن الكفاءة (لا المحسوبية) هى طريق الارتقاء فى المجتمع، وكلى أمل فى أن الرئيس السيسى سيولى الأمر ما يستحقه من اهتمام. فهو أول من يدرك أن رفع الظلم عن الشباب أمر واجب، وأن بناء الطبقة الوسطى على أساس الكفاءة والعلم هو الطريق إلى النهضة الحقيقية والاستقرار المجتمعى. وأننا إذا بنينا مجتمعًا على أساس التكافؤ وعدم التمييز والمساواة فى حقوق المواطنة، فإننا نبنى مجتمعًا قادرًا على البناء ومستعدا لمواجهة التطرف وهزيمة الإرهاب.
هذا قانون يفتح أبواب الأمل ويغلق أبواب الفساد، ولهذا سيواجه حربًا شعواء وعوائق كثيرة، لكنه إذا لم يصدر فسنكون أمام إهانة واضحة لثورتين قامتا ضد الاستبداد والفساد، ثم ضد الفاشية الإخوانية.
وأثق بأن الرئيس السيسى لن يقبل بذلك، وأنه لن يعطى الفساد أو الاستبداد أو الفاشية أى فرصة، وأنه أول من يدرك معنى أن نقول لشباب الوطن إنكم فى دولة لا تعرف التمييز ولا تتخلى عن تكافؤ الفرص، ولا تعرف لها دليلًا إلا أن المواطنين جميعًا أمام القانون سواء.
جلال عارف رحمه و رحمنا الله
ما رفضه هذا الوزير لا يرفضه غيره من الوزراء والمسؤولين. والنتيجة أنه إذا كانت ثورة يناير قد منعت مخطط توريث الحكم أو الرئاسة، إلا أننا لا نزال نعيش فى ظل نظام كامل للتوريث يحكم معظم المؤسسات العامة والخاصة.
وأن مصر التى وصلت قبل يناير إلى أن تكون «مصرَين».. مصر اللى فوق، ومصر اللى تحت، ما زالت كما هى!! وأن أحلام الناس فى العدالة الحقيقية ما زال أمامها سدود ولعل توريث الوظائف (خصوصا فى الأماكن المميزة) هو أحد العناوين البارزة لهذه الكارثة التى قد لا يدرك البعض آثارها الخطيرة على شباب ثار مرتين فى ثلاث سنوات، وما زال ينتظر أن تتحقق أحلامه فى العدل والحرية.
لم يذق جيلنا هذه المرارة. تعلمنا فى مدارس وجامعات ضمت الجميع بلا تفرقة، وانفتحت أمامنا أبواب العمل بالكفاءة وحدها. وكانت النتيجة أعظم طبقة وسطى شهدتها مصر، جاءت من أبناء الفلاحين والعمال وانفتحت أمامها أبواب التعليم، ووجدت مكانها الذى يناسب إمكانياتها.. فبنت قلاع الصناعة، وأبدعت فى كل المجالات، وأعطت لمصر بقدر ما أخذت وأكثر، وأسهمت -بعد ذلك- فى بناء النهضة فى كل أنحاء العالم العربى.
بعد الانقلاب على يوليو -وخلال أربعين عاما من الانفتاح السبهللى- تم اغتيال العدالة الاجتماعية بصورة بشعة، وانهارت الطبقة الوسطى، واتسعت الفجوة بين أغنياء الزمن الفاسد، والغالبية من الفقراء وانقسم المجتمع إلى قلة تحصل على كل شىء، ولا تترك لمعظم أبناء الوطن إلا الفتات.
وفى ظل هذا المناخ استفحلت ظاهرة توريث الوظائف.. أولًا لأبناء الأكابر فى البنوك والشركات المميزة، ثم لأبناء العاملين فى مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء الذى يفترض أن يكون أكثر المؤسسات تحصينًا ضد هذا الوباء!!
ولا أريد أن أعيد الذكريات الحزينة عن شباب انتحر لأن حقه المشروع ذهب إلى أبناء الأكابر أو لسياسة توريث الوظائف. ولا أن ننكأ جراح شباب اجتهد وتفوق ثم وجد من يستبعده بسبب أصوله الاجتماعية، وكأن هناك قرارًا بأن يبقى أبناء الفقراء على فقرهم، وأن تظل الثروة والسلطة والمكانة والوظائف المهمة خاضعة للوراثة، محجوزة لأبناء الأكابر مهما كانوا فاشلين!!
لا أكتب لأستعيد هذه الذكريات السيئة، وإنما لبادرة أمل مع الإعلان عن عدة مشروعات قوانين جديدة قدمها المجلس القومى لحقوق الإنسان إلى مجلس الوزراء، من بينها مشروع قانون لإنشاء مفوضية تكافؤ الفرص وعدم التمييز. وهو مشروع كان محل اهتمام المجلس منذ سنوات. وأتذكر فى أثناء عضويتى فى المجلس سابقا أن الأستاذ محمد فايق (رئيس المجلس الحالى) قاد العمل لإنجاز هذا المشروع فى لجنة خاصة عملنا فيها مع الأساتذة منير فخرى عبد النور، ومنى ذو الفقار، وحافظ أبو سعدة، وحسام البدراوى، وغيرهم من الزملاء.
ولكن مشروع القانون تعطل كالعادة، ومع غيره من مشروعات القوانين مثل قانون بناء الكنائس، وإنشاء المفوضية الخاصة بالانتخابات.
الآن، وبكل صدق، نقول إن الأمور لم تعد تحتمل التأجيل. وإذا كان هناك قانون يستحق التعجيل بصدوره فورًا فهو القانون الخاص بعدم التمييز وضمان تكافؤ الفرص. ليس فقط لضمان العدالة، ولكن أيضًا لاستعادة ثقة الشباب ولترسيخ قيمة أن الكفاءة (لا المحسوبية) هى طريق الارتقاء فى المجتمع، وكلى أمل فى أن الرئيس السيسى سيولى الأمر ما يستحقه من اهتمام. فهو أول من يدرك أن رفع الظلم عن الشباب أمر واجب، وأن بناء الطبقة الوسطى على أساس الكفاءة والعلم هو الطريق إلى النهضة الحقيقية والاستقرار المجتمعى. وأننا إذا بنينا مجتمعًا على أساس التكافؤ وعدم التمييز والمساواة فى حقوق المواطنة، فإننا نبنى مجتمعًا قادرًا على البناء ومستعدا لمواجهة التطرف وهزيمة الإرهاب.
هذا قانون يفتح أبواب الأمل ويغلق أبواب الفساد، ولهذا سيواجه حربًا شعواء وعوائق كثيرة، لكنه إذا لم يصدر فسنكون أمام إهانة واضحة لثورتين قامتا ضد الاستبداد والفساد، ثم ضد الفاشية الإخوانية.
وأثق بأن الرئيس السيسى لن يقبل بذلك، وأنه لن يعطى الفساد أو الاستبداد أو الفاشية أى فرصة، وأنه أول من يدرك معنى أن نقول لشباب الوطن إنكم فى دولة لا تعرف التمييز ولا تتخلى عن تكافؤ الفرص، ولا تعرف لها دليلًا إلا أن المواطنين جميعًا أمام القانون سواء.
جلال عارف رحمه و رحمنا الله

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق